بِنَاءُ قِيْمَةِ الثَّبَاتِ وَتَفْعِيْلِهَا فِي مُوَاجَهَةِ العَدُوِّ –رُؤْيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ-: الشيخ د. لبنان الزين

مشاركة هذا الموضوع :

بناء قيمة الثبات وتفعيلها في سلوك المجاهدين ومجتمع المقاومة في ساحة المواجهة والقتال مع العدوّ، يحتاج إلى جهود هادفة ومدروسة تستهدف الأبعاد المعرفيَّة والعقديَّة والمسلكيَّة للثبات في الرؤية القرآنية، وتركّز على الجوانب الآتية: 

1. الإيمان بالله تعالى:

يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

تكشف هذه الآية عن أنّ الإيمان بالله -تعالى- من عوامل الثبات في الحياة الدنيا والآخرة؛ لأنّه إذا رسَّخ الإيمان وثبت في قلب العبد، وانطلق منه العبد في علاقته مع ربّه، ونفسه، والناس، كان ذلك ثباتًا له على الحقّ، وكانت ثمرته الثبات في البرزخ والآخرة. وما دام المؤمن قد ثبت قلبه بالإيمان وبالقول الثابت، فهو لا يتعرّض لزيغ القلب، ولا يتزعزع عن الحقّ[1].

والثبات يكون بتثبيت الله للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وفي الآخرة بكلمة التوحيد والحقّ الذي صدح به القرآن والرسول (ص) ووأهل بيته (ع)، وبوعده بالنصر له في الدنيا، والفوز في الآخرة؛ وكلّها كلمات ثابتة، وصادقة، وحقّةٌ، لا تتخلّف ولا تتفرَّق بها السبل، ولا يمسّ أصحابها قلق، ولا حيرة، ولا اضطراب.

2. الدعاء:

فطر الله -تعالى- الإنسان على التوجّه إليه بالدعاء في حالة الكرب والشدّة، وأن يجاهر بالدعاء أكثر حين يستشعر أنَّ ما يواجهه أصبح فوق طاقته.

ويحكي لنا القرآن الكريم دعاء الفئة المؤمنة مع (طالوت) في مواجهتهم لـ (جالوت) وجنوده[2]؛ حينما توجّهت إلى ربّها قائلة: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].

ففي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ طلب جِبِلِّي بالتوجّه إلى عزّ الربوبيّة؛ قوامه الإيمان بأنّه -تعالى- المؤثّر الأوحد في الوجود، فقد طلبوا منه -تعالى- أن يملأ الله قلوبهم بالصبر ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام؛ حتى يواجهوا العدوّ بإيمان، وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 251]. فالدعاء في وقت الشدّة وفي أثناء المعركة مفيد ومحقّق للغاية؛ لأنّ الدعاء آية الإيمان والعون على الثبات.

والمتأمّل في هذه الدعوات الثلاث في الآية السابقة يراها قد جمعت أسمى ألوان الأدب وحسن الترتيب، فهم قد صدّروا دعاءهم بالتوسّل بوصف الربوبية، فقالوا: (رَبَّنَا)، أي: يا خالقنا، يا منشئنا، يا مربّينا، يا مميتنا، وفي ذلك إشعار أنّهم يلجؤون إلى من بيده وحده النفع والضرّ، والنصر والهزيمة، ثمّ افتتحوا دعاءهم بطلب الصبر عند المخاوف؛ لأنّه هو عدّة القتال الأولى، وركنه الأعلى؛ إذ به يكون ضبط النفس فلا تفزع، وبه يسكن القلب فلا يجزع، ثمَّ التمسوا منه -سبحانه- أن يثبت أقدامهم عند اللقاء؛ لأنّ هذا الثبات هو مظهر الصبر، ووسيلة النصر، وعنوان القوّة، ثمَّ ختموا دعاءهم بما هو ثمرة ونتيجة للصبر والثبات؛ وهو النصر على الأعداء.

3. المدد الغيبي:

يكشف القرآن الكريم عن أنّ الله قد تكفّل المؤمنين برعايته وعنايته، وأيّدهم بالملائكة في غزواتهم ومواجهتهم لأعدائهم، وما كانوا ليظفروا بهذا الكرم الإلهي إلا لاتصافهم بالإيمان، فاستحقّوا معيّة الله، ومشاركة الملائكة لهم في القتال. لذا، كان التثبيت لهم في المعركة وأرض القتال؛ وذلك أنّ الله -تعالى- أوحى إلى الملائكة أنّي معكم بالعون والنصر والتأييد، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: 12]؛ أي أنّي معكم بالنصر والمعونة، ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، بالبشرى لهم بالنصر، أو القتال معهم، أو الحضور معهم من غير قتال، بإلقاء السكينة في قلوب المؤمنين، والرعب في قلوب أعدائهم، أو...[3]

4. الاعتبار بقصص الأنبياء (ع) في الثبات أمام الأعداء:

إنّ ذِكْر القصص في القرآن الكريم، وأخبار الأمم السابقة، ولا سيّما مواجهة الأنبياء (ع) لأهل الباطل، يجعل الفؤاد ثابتًا على الحقّ، يقول تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: 120]؛ أي: ما نجعل به فؤادك وأفئدة المؤمنين بك ثابتة متيقّنة ومطمئنَّة ومتحمَّلة للشدائد والصعاب؛ لأنّ تكاثر الأدلّة أثبت للقلب، وأرسخ في النفس، وأقوى للعلم. فبذكر قصص الأنبياء (ع) في ثباتهم أمام الأعداء يسكن الفؤاد، ويطمئن، ويزداد يقينه، فلا يضيق الصدر بما يُواجهه المؤمنون من شدائد ومحن وابتلاءات في ساحة المعركة.

5. التدبّر الواعي للقرآن الكريم:

أنزل الله القرآن الكريم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وليوقظ الإنسان من غفلته، بما ضمّنه من تعاليم وحقائق فيها من الدروس والعبر والمواعظ، لا سبيل لاستلهامها إلا عبر تدبّر آياته بنحو واعٍ. فالتدبّر الواعي هو من أبرز عوامل بناء قيمة الثبات وسيلانها في سلوك الإنسان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32].

وقد عاب الله المنافقين لإعراضهم عن التدبّر في القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، وهم لعدم تدبّرهم في القرآن الكريم، وإعراضهم عنه اضطربوا وتزلزلت قلوبهم، فهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [النساء: 143]؛ فلا ثبات لديهم على الإيمان واتّباع الحقّ.

ويستفاد بمفهوم المخالفة أنّ المؤمن الذي يتدبّر القرآن الكريم يطمئنّ قلبه ويرسّخ الإيمان فيه، فهو ثابت على الحقّ والإيمان بالله تعالى. وعليه؛ فإنّ التدبّر الواعي في القرآن يثبّت القلب على الحقّ في مواجهة الباطل وأهله.

6. نصرة الحقّ وأهله:

إنّ من أهمّ مقوّمات الثبات وأسبابه نصرة الحقّ والانتصار له ولأهله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. فالله -تعالى- لا ينصر الفئة التي لا تقاتل في سبيل الله ولأجل نصرة الدين وإعلاء كلمة التوحيد! ولا يثبّتها في مواجهة عدوّها! فلا بدّ لاستنزال النصر والمدد الغيبي من أن تكون القضيَّة التي تدافع عنها هذه الفئة مرتبطة بالله -تعالى- وبالدعوة إلى دينه وإعلاء كلمته والدفاع عن عباده المستضعَفين.


[1]  انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج12، ص53-54؛ ناصر مكارم الشيرازي: تفسير الأمثل، ج7، ص507-508.

[2]  انظر: الفضل بن الحسن الطبرسي: تفسير مجمع البيان، ج2، ص148-151.

[3]  انظر: محمد بن الحسن الطوسي، تفسير التبيان، ج5، ص87؛ محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص21؛ محمد جواد مغنية: تفسير الكاشف، ج3، ص458.


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث