الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ وَسِلْسِلَةُ القَتْلِ المُبَرْمَجَةِ مِن غَزَّةَ إِلَى إِيْرَانَ
د. مريم رضا خليل
شكّلت الحرب الأمريكيَّة–الإسرائيليَّة على إيران لحظة مفصليَّة في تطوّر استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليّات العسكريَّة، ليس فقط من حيث حجم الضربات أو نوعيّتها بل من حيث إعادة تشكيل العلاقة بين القرار البشري والمنظومة التقنيَّة. ففي 28 شباط/فبراير 2026، ومع انطلاق عمليَّة "الغضب الملحمي"، نُفذَّت مئات الضربات خلال ساعات قليلة، مستهدفة منظومات القيادة والسيطرة، والدفاعات الجويَّة، والبنية الصاروخيَّة، وصولًا إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني سماحة الشهيد الإمام السيد علي الخامنئي (قده)، في نمط عمليّ غير مسبوق من حيث الكثافة والتزامن .خلال الساعات الاثنتي عشرة الأُولى فقط، نفَّذت القوات الأمريكيَّة نحو تسعمئة ضربة عبر سبع عشرة محافظة إيرانيَّة، فيما شنّ سلاح الجو الإسرائيلي واحدة من أوسع عمليَّاته الجويَّة، مستخدمًا نحو مئتي طائرة لضرب مئات الأهداف في اليوم الأوَّل. وبحلول مئة ساعة، تجاوز عدد الأهداف المستهدفة ألفي هدف باستخدام أكثر من ألفي ذخيرة موجَّهة، وهو رقم يعكس انتقالًا من منطق "الطلعات الجويَّة" إلى منطق "إدارة الأهداف" على نطاق واسع .
هذا التحوّل لا يمكن فهمه دون إدراك الدور المركزي للذكاء الاصطناعي، وتحديدًا ضمن ما يُعرف بـ "سلسلة القتل" (Kill Chain) التي تشمل مراحل الرصد، والتحديد، والتتبع، واتخاذ القرار، والتنفيذ، والتقويم. ففي الحروب السابقة، مثل حرب الخليج 1991، استغرق إعداد قائمة أهداف تضم بضع مئات وقتًا طويلًا، واستلزم تنفيذها أسابيع من العمليَّات. أمَّا في الحالة الإيرانيَّة، فقد جرى إنتاج آلاف الأهداف وتنفيذها خلال أيام، بفضل أنظمة قادرة على تحليل بيانات متعدِّدة المصادر في الزمن الحقيقي .برز هنا دور منصات تحليل البيانات العسكريَّة، مثل أنظمة شركة "بالانتير" (Palantir) التي دمجت نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، ومنها نموذج "كلود" (Claude) داخل بيئات عسكريَّة سريَّة. هذه الأنظمة لم تكتفِ بجمع المعلومات، بل قامت بدمج صور الأقمار الصناعيَّة، واعتراضات الإشارات، وبيانات الرادار، والمصادر البشريَّة، لإنتاج قوائم أهداف مرتّبة حسب الأولويَّة، مع توصيات دقيقة عن نوع السلاح المناسب لكلّ هدف، وتقديرات للأضرار الجانبيَّة .
في هذا السياق، أشار الباحث (كريغ جونز - Craig Jones) إلى أنَّ "آلة الذكاء الاصطناعي تقدّم توصيات بشأن ما يجب استهدافه بسرعة تفوق في بعض الأحيان سرعة التفكير البشري"، مضيفًا أن ما كان يستغرق أيّامًا أو أسابيع أصبح يُنجز في وقت متزامن، بما يسمح بتنفيذ عمليّات اغتيال قدرات الخصم وشلّها في آن واحد. ويعزّز هذا التوصيف ما أعلنته القيادة المركزيَّة الأمريكيَّة التي وصفت الحملة بأنَّها "الأكثر تعقيدًا ودقّة في التاريخ"، في إشارة إلى البُعد الإداري والتشغيلي لهذه "الدقّة" الجديدة. لكنَّ هذه السرعة تطرح إشكاليَّة حاسمة تتعلَّق بطبيعة القرار العسكري ذاته. فحين يُنتج النظام مئات الأهداف خلال ساعات، ويُطلب من الضبّاط مراجعتها، تصبح المراجعة البشريَّة موضع شكّ؛ إذ إنَّ تنفيذ تسعمئة ضربة خلال اثني عشرة ساعة يعني معدّلًا يقارب خمس وسبعين ضربة في الساعة، أو أكثر من ضربة في الدقيقة، وهو إيقاع لا يسمح عمليًّا بإجراء تقويم قانوني وخُلُقي متكامل لكلّ هدف .
تعزّز تجارب سابقة هذا القلق. ففي الحرب على غزَّة، كشفت تقارير أنَّ زمن مراجعة الهدف الواحد ضمن أنظمة ذكاء اصطناعي مشابهة لم يتجاوز عشرين ثانية، دون مراجعة معمَّقة للبيانات الاستخباراتية أو أسباب اختيار الهدف. وقد وصفت دراسات أكاديميَّة هذه الظاهرة بـ "التحيّز التلقائي"؛ حيث يتحوَّل دور الإنسان من محلّل إلى منفّذ يثق بمخرجات النظام حتى في ظلّ وجود شكوك .هذا ما يسمّيه بعض الباحثين "التفريغ المعرفي"؛ حيث يُنقل عبء التحليل والتقدير إلى الآلة، ما يؤدّي إلى تآكل الارتباط بين القرار ونتائجه الإنسانيَّة. وفي حالة إيران، يتجلَّى هذا بوضوح في قدرة النظام على إنتاج "ملف استهداف متكامل" لكلّ هدف؛ يتضمّن الإحداثيات، والسلاح، والتقويم القانوني، في وقت لا يسمح للإنسان إلا بالمصادقة السريعة .
لكنَّ الأثر الأبرز لهذا التحوّل يظهر في النتائج الميدانيَّة. فقد طالت الضربات منشآت مدنيَّة، منها مدرسة ابتدائيَّة في مدينة ميناب؛ حيث استُشهد 165 شخصًا، معظمهم من الأطفال. كما تضرَّرت منشآت صحيَّة ومواقع مدنيَّة أخرى خلال الأيَّام الأولى من الحرب، وفق تقارير دوليَّة، ما يطرح تساؤلات عن مدى قدرة هذه الأنظمة على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيَّة في ظلّ ضغط الزمن وكثافة العمليَّات. وهنا تتجلَّى المفارقة: التكنولوجيا التي تُسوّق باعتبارها أكثر دقَّة، قد تسهم فعليًّا في توسيع نطاق الدمار؛ لأنَّها تزيل القيود المعرفيَّة التي كانت تحدّ من حجم العمليات. على المستوى المؤسَّسي، كشفت الحرب -أيضًا- عن صراع بين شركات التكنولوجيا والجهات العسكريَّة عن حدود استخدام هذه الأنظمة. فقد رفضت بعض الشركات منح استخدام مفتوح لنماذجها دون قيود، بينما أصرَّت الجهات العسكرية على مبدأ "جميع الأغراض المشروعة". لكنَّ النتيجة العملية كانت استمرار العمليّات دون انقطاع، حتى بعد حظر بعض التقنيات، عبر استبدالها بنماذج أخرى، ما يعكس مرونة المنظومة وقدرتها على تجاوز أي قيد خُلُقي أو تعاقدي .
في المحصَّلة، تكشف الحرب على إيران عن تحوّل بنيوي في طبيعة العنف العسكري. لم يعد التحدّي في القدرة على تنفيذ الضربات بل في ضبط نطاقها. فالذكاء الاصطناعي لم يخلق الرغبة في استخدام القوَّة، لكنَّه أزال القيود التي كانت تحدّ منها، خصوصًا القيد المعرفي البشري. ومع غياب أطر قانونيَّة وتنظيميَّة واضحة، يصبح القيد الوحيد المتبقي هو الإرادة السياسية؛ وهي، كما أظهرت التجربة، ليست دائمًا ضمانة كافية لحماية المدنيين. إنَّ ما نشهده ليس مجرَّد استخدام جديد للتكنولوجيا في الحرب بل إعادة تعريف لشروطها وحدودها. وفي ظلّ هذه التحوّلات، يصبح السؤال المركزي: كيف يمكن إعادة إدخال قيود فعالة، قانونيَّة أو خُلُقيَّة أو تشغيليَّة، في منظومة أصبحت قادرة على إنتاج العنف بسرعة تفوّق قدرة الإنسان على مراجعته أو حتى استيعابه؟ والأهم، كيف يمكن مجاراة التقدّم التكنولوجي بما يحدّ من مخاطره ويكبح استشراسه ويبطل مفاعيله؟




التعليقات