إِرهَاصَاتُ انْهِيَارِ الهَيْمَنَةِ: كَلَامٌ حَولَ العُبُور
محمّد علي بردى (لبنان)
ذكرنا في دراسة سابقة أنّ نظريّة الحضارة الإسلاميّة للإمام الشّهيد السَّيِّد (علي الخامنئيّ) هي أهمّ عنوان في منظومته الفكريّة، بل إنّها خلاصة مشروع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وقلنا إنّ من فوائد هذه النّظريّة أنّها تضع المعايير اللّازمة لتقييم القرارات والشّخصيّات والحوادث التي تمرّ على المسلمين وجبهة المقاومة، وذلك من خلال النّظر إلى مراحل تكوين هذه الحضارة، وهي خمس مراحل نلخّصها بالنّحو الآتي:
المرحلة الأُولى: هي مرحلة بلورة الثّورة الإسلاميّة، إذ يبدأ مسير الإنسان نحو الحضارة الإسلاميّة بحصول يقظة أو صحوة توحيديّة لدى الإنسان المسلم يستعيد فيها شعوره بالهويّة الإسلاميّة الحقيقيّة، فيُدرك أنّ مقتضى العبوديّة لله الواحد عزّ وجلّ البراءة من مظاهر الشّرك كافّة، ويسعى للانفصال التّامّ عن الأنظمة الطّاغوتيّة، مهاجرًا من أجل الالتحاق بمجتمع إيمانيّ قائم على ساقيه وملازم للقيادة الشّرعيّة، حيث تكون مواجهة الطّواغيت أمرًا سائغًا وممكنًا -تبعًا لنموذج الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) الذي هو الأساس في مشروع الحضارة- ومن ثَمّ ينطلق بالتَّحرُّك الثّوريّ الجهاديّ نحو اقتلاع النّظام الطّاغوتيّ.
المرحلة الثّانية: هي مرحلة إقامة النّظام الإسلاميّ، حيث يجري استبدال النّظام الطّاغوتيّ بالنّظام الإسلاميّ، وهو نظام يتبنّى الإسلام المُحمّديّ الأصيل كأصل عقائديّ في قبال الطّرح الالتقاطيّ الأمريكيّ من جهة، والطّرح المتحجّر البريطانيّ من جهة أُخرى، ويتبنّى الفقه الجواهريّ كأساس فقهيّ لكونه مناسبًا للأصالة والدّيناميكيّة التي لا بُدّ منها في نظام سيكون قلب الحضارة فيما بعد. وينبثق من هذين الأصلين نموذج للقيادة في هذا النّظام متمثّل في ولاية الفقيه، ونموذج لدور الشّعب في النّظام وهو مبدأ السّيادة الشّعبيّة.
المرحلة الثّالثة: هي مرحلة تشكيل الحكومة الإسلاميّة، أي تشكيل مجموع الأجهزة الإداريّة والأنظمة المتنوّعة المسؤولة عن إدارة البلاد. وهذه مرحلة اختباريّة من جهة أنّ الحكومة لا بُدّ أن تكون ملتزمة بمؤشّرات الحكم الإسلاميّ ومضمون الثّورة وأُصولها وملازمة لنهج الاقتدار حتى لا تضيع الجهود والتَضحيات نتيجة ضعف بعض المسؤولين أو اتّخاذ بعض القرارات السّياسيّة التي لا تؤسّس للعزّة الوطنيّة والاستقلال المطلوب للتَّحرُّر من قيود الحضارة المادِّيَّة ونظامها الدّوليّ. إذًا، لا تكون الحكومة حكومة إسلاميّة إلّا من خلال هذا الاقتدار المبنيّ على الرّوح الثّوريّة والاقتصاد المقاوم والتَّقدُّم العلميّ، لأنّه مانع من التّبعيّة كما هو ظاهر.
المرحلة الرّابعة: هي مرحلة تحقيق المجتمع الإسلاميّ، والمناط فيه على انسجام الحكومة والشّعب -ولاحقًا سائر الشّعوب- من خلال المشروع الحضاريّ. فالمجتمع الإسلاميّ هو المجتمع الذي ينشأ من عمق التّجربة بعد أن جمعته وحدة المعتقد في البدايات وانطلق في نهضته على خطى السّابقين من أجيال الحركة الثّوريّة، وهو المجتمع الذي يجعل كلّ طاقاته وإمكاناته موجَّهة نحو الحضارة الإسلاميّة، الأمر الذي يؤكّد حاجته إلى التّبيين الدّائم والبصيرة الفاعلة والمانعة من تضييع الطّريق أو فقدان الوعي المطلوب لاتّخاذ المواقف الصّحيحة في اللّحظات المصيريّة. وبكلمة، المجتمع الإسلاميّ هو المجتمع القابل للعبور إلى الحضارة الجديدة.
المرحلة الخامسة: والأخيرة هي مرحلة إيجاد الحضارة الإسلاميّة الجديدة. فبعد كفّ أيدي القوى المستكبرة عن الشّعوب الإسلاميّة ومقدّراتها والتَّحرُّر من هيمنة وسائل وأدوات الحضارة المادِّيَّة، يجري إيجاد نمط إداريّ جديد لسياسة الأُمّة وتُستعاد هويّتها الثّقافيّة، وتتهيّأ الأجواء التي يستطيع فيها الإنسان أن يتطوّر من النّاحية المعنويّة والمادِّيَّة ويحيا حياة طيّبة عزيزة بإرادته وروحه الابتكاريّة وعقيدته التّوحيديّة الصّافية. فالحضارة الإسلاميّة هي التي تراعي الإيمان والعلم والأخلاق معًا، بخلاف الحضارة المادِّيَّة الآفلة.
في خضمّ هذه الحرب وأشدّ أيّامها، قال الإمام القائد السَّيِّد (مجتبى الخامنئيّ) حفظه الله في نداء الحجّ لهذا العام إنّه "ستتحقّق بعثة الأُمّة الإسلاميّة بعد بعثة الشّعب الإيرانيّ وجبهة المقاومة"، وإنّه "لدى الأُمّة الإسلاميّة وشعوب المنطقة قابليّات ومصالح مشتركة كثيرة، ستصيغ النّظام الجديد والهندسة المستقبليّة للمنطقة والعالم"، وإنّ "المستقبل للأُمّة الإسلاميّة والحضارة الإسلاميّة الجديدة". لا شكّ أنّ وحدة الشّعب الإيرانيّ تحقّقت بلطف الله جلّ وعلا وبركات رعاية صاحب العصر والزّمان (عج) وبفضل دماء قائد الأُمّة الفدائيّ الشّهيد (الخامنئيّ) رضوان الله عليه ومن معه من المجاهدين والشّهداء. بل امتدّت بركات تلك الوحدة لتشمل حركات المقاومة ومجتمعاتها في لبنان واليمن والعراق وغيرها من البلاد.
بتقديرنا إنّ هذه التّصريحات من قِبل الوليّ الفقيه الحاليّ كانت بمثابة إعلان عن الواقع الجديد للمجتمع الإسلاميّ وإمكانيّة بناء أُمّة حقيقيّة، فهو بصدد التّأكيد على الفرصة الاستثنائيّة الماثلة أمامنا، وهي فرصة "العبور". تفصيل الثّورة الاقتصاديّة المترتّبة على سيطرة الجمهوريّة الإسلاميّة على مضيق هرمز وسيطرة حركة "أنصار الله" على باب المندب وتمكُّن جبهة المقاومة من إفشال أهداف العدوّ ومؤامراته موكول إلى بحث آخر، لكن سنذكر بعض كلمات الخبراء من باب التّأكيد على أنّ ما نشهده هو قيام جديد للجمهوريّة الإسلاميّة ومشروع المقاومة، وأمارة قطعيّة على تراجع نفوذ أمريكا في المنطقة والعالم.
يقول أُستاذ العلوم السّياسيّة والشّؤون الدّوليّة في جامعة جورج واشنطن (مارك لينش): "لقد انتهى الشّرق الأوسط الأمريكيّ. وكان النّظام الإقليميّ الذي ساد منذ عام ١٩٩١ واحدًا من الضّحايا الكثيرة للحرب الأمريكيّة-الإسرائيليّة على إيران"[1]. ويقول الخبير في السّياسة الأمريكيّة تجاه الشّرق الأوسط (ستيفن كوك): "هذا تغيير كبير، ومن الصّعب المبالغة في تقدير أهمِّيَّته. فبعد خمسة عقود، لم يعد من الممكن الحديث عن نظام تقوده الولايات المتّحدة في الشّرق الأوسط"[2].
ويقول الباحث والمحلّل في السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة (روبرت كاغان): "ستكون الهزيمة في المواجهة الحاليّة مع إيران مختلفة تمامًا في طبيعتها، فلا يمكن إصلاحها ولا تجاهلها، ولن تكون هناك عودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبلها، ولا انتصار أمريكيّ نهائيّ من شأنه أن يلغي الضّرر الذي وقع أو يتغلّب عليه، ولن يكون مضيق هرمز "مفتوحًا" كما كان من قبل. ومع إحكام السّيطرة على المضيق، تخرج إيران بوصفها اللّاعب الرّئيسيّ في المنطقة وأحد اللّاعبين الرّئيسيّين في العالم. ويتعزّز دور الصّين وروسيا، حليفتي إيران؛ بينما يتضاءل دور الولايات المتّحدة بصورة كبيرة"[3].
وقال (ريتشارد وولف)، وهو أحد أبرز الاقتصاديّين في العالم، قبل أسابيع على برنامج "Democracy Now" بخصوص التّداعيات الاقتصاديّة للحرب القائمة بين أمريكا والجمهوريّة الإسلاميّة، ضمن حديثه الصّريح عمّا وصفه حرفيًّا بتراجع الإمبراطوريّة الأمريكيّة: "سعر عبور السّفينة لـ"قناة بنما" ارتفع بمقدار مئة ضعف مقارنةً بشهر فبراير من هذا العام، قبل بدء الحرب، حتى الآن. وما يحدث هو أنّه بما أنّ "مضيق هرمز" مغلق -وليس مفتوحًا كما يقول الرّئيس ترامب، بل مغلق- فإنّ أحد الأُمور التي تحدث هي أزمة لشركات الشّحن التي كانت تستخدم عادةً "مضيق هرمز". فماذا تفعل شركات الشّحن؟ هذا لا يحتاج إلى عبقريّة لفهمه. إنّها تبحث عن طرق أُخرى، وأحد هذه الطّرق هو استخدام "قناة بنما". فجأةً، بدأت السّفن تظهر عند "قناة بنما" بأعداد أكبر بكثير، وهي في حالة يأس، عليها أن تجعل خطط سفرها تنجح، فقالت السّلطات في بنما: "حسنًا، هذه فرصة رائعة". ولإعطائكم مثالًا، متوسّط سعر عبور السّفينة في فبراير كان 55,000 دولار كرسم، وآخر رقم هو أكثر من 5 ملايين دولار. أي إنّه أكبر بمئة مرّة. ولماذا هذا مهمّ للجميع، إلى جانب السّبب الواضح؟ سيكون له أثر تضخّميّ علينا. جميع البضائع التي تمرّ من هناك والتي تنتهي كسلع استهلاكيّة سيتعيّن تسعيرها بسعر أعلى لتغطية التّكلفة الأعلى. هذه نتيجة مباشرة. لو لم تشنّوا حربًا على إيران، لكان "مضيق هرمز" مفتوحًا كما كان قبل الحرب. لذا، فإنّ هذا يقع مباشرةً على عاتق حكومة الولايات المتّحدة. قرارهم أدّى إلى هذا العبء، ولأنّ الأمر لم يستمرّ إلّا لبضعة أشهر فقط، فإنّ الأثر على الأسعار التي ندفعها على وشك أن ينفجر".
وأضاف لاحقًا في الحلقة: "العالم بأسره يراقب هذا ويقول في نفسه: لقد بنينا [نظام] اعتماد على الولايات المتّحدة"، بسبب الدّور الذي لعبناه في العالم خلال السّبعين عامًا الماضية، منذ الخروج من الحرب العالميّة الثّانية، حين دُمّرت كلّ الدّول الصّناعيّة المتقدّمة الأُخرى. أمّا نحن فقد نجونا. وبفضل المحيطين "الأطلسيّ" و"الهادئ"، تمكَّنَّا من البقاء. ورثنا الإمبراطوريّات الاستعماريّة الكُبرى وأصبحنا الإمبراطوريّة الوحيدة. لهذا كنّا بهذا الغنى، ولهذا شهدنا هذا الازدهار الهائل الذي جعلنا نتخيّل أنفسنا "الاستثناء الأمريكيّ" العظيم. لم نكن الاستثناء. كنّا في ظلّ ظروف استثنائيّة. كان يجب على الجميع أن يفهم أنّها لن تدوم أبدًا. لكن بدلًا من الاستعداد لذلك، بدلًا من وضع خطّة للتّعامل مع الزّوال الحتميّ لتلك الظّروف، تخيّلنا أنّها ستدوم إلى الأبد. والآن لدينا حكومة تحاول فعليًّا عكس مسار التَّحرُّك الحتميّ للتّاريخ. لن نجعل أمريكا عظيمة مجدّدًا، لأنّ الظّروف اللّازمة لذلك غير موجودة. وكلّ الخطاب الطَّنَّان وكلّ الكلام الفارغ لا يغيّر من ذلك شيئًا. والواقع يَظهر لنا في إيران من خلال قدرة هذا البلد، هذا البلد الصّغير، على الرَّدِّ بفعاليّة".
من هنا فالذي يحصل هو انهيار القيادة الأمريكيّة للمنطقة على يد الجمهوريّة الإسلاميّة وحلفائها، وتبلور نظام اقليميّ ودوليّ جديد. وعندما يدرك المرء حقيقة أنّ الكيان الصّهيونيّ يعتمد استراتيجيًّا، بل وجوديًّا، على الولايات المتّحدة، فسوف يدرك أنّ الهزيمة الأمريكيّة في المنطقة هي العنوان الأبرز والموضوع الأهمّ على الإطلاق في هذا النّقاش.
ذلك أنّ السّؤال الذي يبقى حينئذٍ هو: هل يلجأ "المحافظون" إلى الإجهاض؟ لست متخصّصًا بالشّأن الاسرائيليّ لكن أقول من منطلق معرفتي بسياسة أمريكا وكيفيّة تعاطيها مع ما يؤثّر على نفوذها العالميّ إنّ هناك حلقة ضعيفة في علاقتها مع الكيان اللّقيط اليوم. لا أتحدّث عن انكشاف مدى تأثير اللّوبي الصّهيونيّ على سياسيّين وصنّاع قرار في الإدارة الأمريكيّة بعد أن كان من الأسرار التي تُهمس ولا تُكتب إلّا نادرًا، بل أقصد في الأولوّيات وأتحدّث من منظور واقعيّ (Realist). ففي حين أنّ أمريكا تحاول تفادي جولة قتاليّة جديدة مع إيران لِما سيحمل ذلك من تبعات كبيرة على الوجود والمصالح الأمريكيّة في المنطقة، ليس الأمر بتلك البساطة بالنّسبة إلى كيان الاحتلال.
بالنّسبة إلى أمريكا، وقفُ هذه الحرب دون القضاء على جبهة المقاومة وانسحاب قوّاتها من المنطقة ولو بشكل تدريجيّ يمثّل تحوُّلًا استراتيجيًّا لها كإمبراطوريّة، وربما تعتبر أمريكا أنّها تمتلك أوراق قوّة تستطيع من خلالها استيعاب صدمة تراجعها العالميّ إلى حدّ ما. أمّا بالنّسبة إلى الكيان اللّقيط فمعناه بقاء إسرائيل أمام تهديد وجوديّ، وبالتّالي فهي لا ترى المسألة على أنّها مجرّد "تقليص نفوذ". وهذا أمر يمكن لجبهة المقاومة استغلاله والاستفادة منه، إذ لو تحقّق فمن شأنه إفساح المجال للاستفراد بالكيان؛ لا لأنّ أمريكا ترضى بذلك، غاية الأمر أنّ هناك توازنات جديدة فرضتها إيران وحركات جبهة المقاومة على المنطقة في هذه الحرب، وهذه التّوازنات قد توجب إجراء عمليّة "إجهاض" على التَّيَّار المحافظ في أمريكا بعد أن كان "مؤيِّدًا للحياة" (Pro-Life)!
نشهد حاليًّا إرهاصات انهيار الهيمنة الأمريكيّة -إن شاء الله تعالى- ولهذا ينبغي الحديث اليوم وليس غدًا عن العبور وملامحه وأبعاده وشرائطه ومجالاته واستراتيجيّاته.
[1] فورين أفيرز (Foreign Affairs)، "نهاية الشّرق الأوسط الأمريكيّ".
[2] مجلس العلاقات الخارجيّة (CFR)، "انتهاء النّظام الإقليميّ في الشّرق الأوسط الذي تقوده الولايات المتّحدة".
[3] ذا أتلانتيك (The Atlantic)، "كش مات في إيران".




التعليقات