دَوْرُ التَّحْرِيْضِ فِي الثَّبَاتِ مِن مِنْظَارِ القُرْآنِ الكَرِيْمِ
الشيخ د. لبنان حسين الزين[1]
1- مفهوم الثبات في القرآن الكريم:
الثبات في اللغة من مادّة "ثبت"، وهي تدلّ على دوام واستقرار في الشيء[2]. والثبات ضدّ الزوال[3]. ومنه الثبات بالإقامة في المكان، فيقال: ثبت فلان في المكان: إذا أقام به[4].
وردت مادّة "ثبت" في القرآن الكريم ٨٧ مرّة[5]، وقد استُعملت في المعاني الآتية[6]:
أ- الثبات الحسّيّ والمعنويّ؛ فأمّا الثبات المعنويّ: ففي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12]؛ أي تثبيت القلوب. وأمّا الثبات الحسّيّ، ففي قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]؛ أي: شدّ رمل الأرض بالماء النازل من السماء، لتثبيت أقدام المجاهدين عند مواجهتهم للعدو من فوقهم.
ب- في مقابل المحو والخروج والقتل والزلَّة: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ [النحل: 94]، ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]، ﴿يَمْحُوا ا للهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: 39]؛ أي كما أنّ التكوين والإيجاد في المرتبة الأولى بيده كذلك الإبقاء والتثبيت، أو المحو والإفناء في المرتبة الثانية، سواء كان في وجود أم حكم أم عمل.
ج- في معنى الاستقرار في المكان والمحلّ، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 15]، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ﴾ [إبراهيم: 24].
د- في معنى استقرار الباطن والقلب على ما عقده، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: 74]، ﴿لِنُثَبِّتَ بِه ِ فُؤادَكَ﴾،
ه- في القول الَّذي هو مظهر العقيدة والكاشف عمّا في القلب: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [الفرقان: 32].
وبناءً على ما تقدَّم، يمكن تحديد مفهوم الثبات في القرآن الكريم بـ: لزوم المكان من دون تحرّك ولا تزلزل في المعركة. وفي الدين بمعنى الاستقامة وعدم الانحراف والتحوّل عن الحقّ[7].
2- دور التحريض في الثبات:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65].
أ- ترغيب المؤمنين بقتال الكافرين من مَهام قائد المجتمع الإسلاميّ:
والتحريض هو الترغيب والحثّ على فعل الشيء بما يبعث على المبادرة[8]. من مَهام القائد حثّ الناس على الجهاد[9]، وترغيبهم فيه بأسباب التحريض والترغيب كافَّة؛ من ذِكْر الثواب الموعود على القتال، وبيان ما وعد الله لهم من النصر والظفر[10].
ب- ضرورة تقوية روحيّة المقاتلين المؤمنين:
فمهما كان مستوى الاستعداد لدى المقاتلين، فيجب قبل بدء القتال وبعده تقوية البعد الروحي عندهم[11].
ج- الصبر والمقاومة في ساحة القتال من العوامل المهمّة لانتصار المؤمنين على الكفّار:
وهو ما يمكن استفادته من توصيف المؤمنين بالصابرين، واشتراط الصّبر للانتصار على العدو الأكثر عددًا.
د- نفي المعادلة العدديَّة على مستوى عدد المقاتلين المؤمنين مقابل الكفّار:
هذه الآية تنفي المعادلة العدديَّة، وتؤكّد على روحيَّة الإيمان والصبر، وحتى لا يُعتَقد أنّ انتصار عشرين مؤمنًا على مئتين فيه مبالغة، تكرّر أنّه إذا تحقّق فيهم الإيمان والصبر، فإنّ مئة يغلبون ألفًا، ومثاله: معركة بدر، وأُحُد، والأحزاب، ومُؤْتَة[12]، والوقوع خير دليل على الإمكان، فكيف إذا كان هذا الوقوع متكررًا؟
ه- عدم امتلاك البصيرة والمعرفة سبب هزيمة الكفّار في مواجهة المؤمنين الصابرين أصحاب البصائر والمعرفة:
الباء في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ للسببيَّة، والجملة تعليليَّة متعلّقة بقوله: ﴿يَغْلِبُو﴾، والآية في مقام المقابلة بين صفات الكافرين المنهزمين وصفات المؤمنين المنتصرين، فيكون معنى الآية: إنْ يغلب عشرون من المؤمنين الصابرين من أصحاب البصائر والمعرفة مئتين من الذين كفروا الفاقدين للصبر والبصيرة والمعرفة، أو يغلب مئة من المؤمنين ألفًا من الذين كفروا؛ وذلك كلّه بسبب أنّ الكفّار قوم لا يفقهون. وفقدان الفقه -أي العلم والبصيرة- في الكفّار لاتَّكائهم على هوى النفس، واعتمادهم على ظاهر ما يسوِّله لهم الشيطان. وعليه، فإنّ الكفّار متّفقون ما لم يلح لائح الموت حيث يرونه فناءً، وأمّا في المخاوف العامّة، والمهاول الشاملة، فيتفرّقون ويفرّون بسبب الجهل الذي يلازمه الكفر والهوى[13].
وبالتالي، فقدان العلم والبصيرة في الكفّار وبالمقابل ثبوته في المؤمنين، هو الذي أوجب أن يغلب العشرون من المؤمنين المئتين من الذين كفروا، وإنّما يغلب المؤمنون على ما بُنيَ عليه الحكم في الآية؛ لأنَّ المؤمنين إنّما يقدمون فيما يقدمون عن إيمان بالله، وهي القوّة التي لا يعادلها ولا يقاومها أيّ قوّة أخرى، لابتنائه على البصيرة والفهم الصحيح؛ حيث يجري وصفهم بكلّ سجيَّة نفسانيَّة فاضلة كالشجاعة، والشهامة، والجرأة، والاستقامة، والوقار، والطمأنينة، والثقة بالله، واليقين بأنّه على إحدى الحُسنَيَيْن، وبعبارة أخرى: فهم وبصيرة المؤمنين اللذين يترافقان مع العلم والإيمان والصبر هما سبب الغلبة على الكفّار.
[1] أستاذ متفرّغ ورئيس لجنة القرآن والحديث في جامعة المصطفى (ص) العالميّة في بيروت، باحث وكاتب في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة، من لبنان. البريد الإلكتروني: [email protected]
[2] انظر: ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، ج1، ص399.
[3] انظر: الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص171.
[4] انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج2، ص19.
[5] انظر: محمد فؤاد عبد الباقي: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص158-159.
[6] انظر: حسن المصطفوي: التحقيق في كلمات القرآن، ج2، ص5-6؛ الراغب الأصفهاني: مفردات ألفاظ القرآن، ص171.
[7] انظر: ابن عاشور: التحرير والتنوير، ج30، ص10.
[8] انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص122.
[9] انظر: محسن قراءتي، تفسير النور، ج4، ص376.
[10] انظر: الفضل بن الحسن الطبرسي: تفسير مجمع البيان، ج4، ص444.
[11] انظر: ناصر مكارم الشيرازي: تفسير الأمثل، ج7، ص236.
[12] انظر: محسن قراءتي: تفسير النور، ج4، ص375-376.
[13] انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص122-123.




التعليقات