حِيَادٌ أَم انْتِحَارٌ؟! - الشيخ د. عبد القادر يوسف ترنني

مشاركة هذا الموضوع :

١- خطاب الحياد في سياق الصراع

كثيرًا ما نسمع دعوات تشجِّع على الحياد وتجنيب البلاد مزيدًا من الدمار، والويلات والحروب التي نتعرَّض لها من قِبل العدوّ الصهيوني... فإذا تعرَّضت القرى الحدوديَّة للأخطار اليوميَّة، وإذا تعرَّض أهلها لتجريف أراضيهم وتفجير منازلهم، وإذا عانوا يوميًّا الظلم، والقتل، والملاحقة، والاستهداف، فعلى أهل البلد الآمنين أن يعتادوا مثل هذه الصورة النمطيَّة ويقبلوا بها، ويرضخوا لقتل أبناء وطنهم وذويهم ولكلّ الجرائم التي يتعرّضون لها، كأنَّ إخوانهم في المدن والقرى البعيدة عن الحدود الفاصلة بيننا وبين العدوّ المحتل يعيشون في كوكب آخر. لكنَّهم لو فكّروا بالدفاع عن أنفسهم في ظلّ غياب كامل لأهل السياسة الذين تركوا أبناء القرى الحدوديَّة لمصيرهم، فإنَّهم سيتَّهمون بالانتماء لأذرع خارجيَّة... فكلّ الأذرع الخارجيَّة تتَّفق على قتلهم وتسكت عن سحلهم، لكن دفاعهم عن أرضهم وأنفسهم يحوّلهم إلى إرهابيين ينفّذون محطَّطات خارجيَّة...

من هنا، كان الواجب على من اختارهم القَدَر لمواجهة هذا العدوّ أن يموتوا بهدوء وسكون وصمت، كرمى لعيون الساسة، والناس المحبّين للحياة، والرافضين للموت، والسائرين خلف ساسة الحياد الذين تلقّفوا أوامر سريعة من قِبل الأذرع الغربيَّة والشرقيَّة من أصدقاء الوطن الذين نصحوا الزعماء والقادة والساسة بالامتثال لقرارات الأمم المتحدة التي لا تزال تَعِدُ مواعيدَ عرقوب باتّخاذ الإجراءات اللازمة منذ قرن ضد انتهاكات العدو الصهيوني وجرائمه وإرهابه...

 

2- مفهوم الحياد في الإطار القانوني والسياسي

ما المقصود من الحياد؟ 

الحياد تصرّف قانوني تلتزم به دولة ما تجاه باقي الدول على ألا تدخل في أي نزاع مسلح داخلي أم دولي، أكان حاضراً أم مستقبلاً، بحيث:

أ-     تضع فيه الدولة نفسها خارج إطار النزاعات بملء إرادتها، على ألا يمسّ ذلك حقّها في الدفاع المشروع عن النفس.

ب-   يعبر الحياد عن موقف قانوني تريد فيه الدولة من الحياد تعزيز تعايشها السلمي مع الجوار، بحيث تمتنع من الدخول في أحلاف عسكريَّة.

ج-    لا تسمح بإقامة قواعد حربيَّة لقوّات أجنبيَّة، أو استخدام أراضيها لغايات غير سلميَّة.

د-    يترتَّب مقابل ذلك تعهُّد من الدول الأخرى بالحفاظ على أمن هذه الدولة، وعدم التعرّض لها بعمليّات عسكريَّة في حال وقوع نزاع مسلح...

نفهم من النقاط المدرجة باختصار أنَّ الحياد بهذا المعنى لا علاقة له بطبيعة الصراع القائم مع العدو الصهيوني المحتلّ لفلسطين، وأطماعه التي لا تنتهي في احتلال كلّ الدول المجاورة لها...

 

3- نقد مفهوم الحياد وحدوده في الواقع السياسي

والمتأمّل في فكرة الحياد الجديدة يرى أنَّها بدعة ابتدعها الساسة والعاملون في الشؤون الدبلوماسيَّة بهدف إخضاع الدول التي تحيط بفلسطين المحتلّة من قِبل العدو الصهيوني. هذا العدوّ، الذي طرد أهل فلسطين من بلادهم وقراهم، وأمعن فيهم قتلًا وسفكًا منذ الانتداب البريطاني الذي منح فلسطين هديَّة للحركات الصهيونيَّة الإرهابيَّة - التي مارست أفظع الشرور وعمليّات التطهير العرقي - غاضّ الطرف عن الجرائم الجماعيَّة التي لم تهدأ إلى هذه الساعة...

وهكذا بدأت فكرة الحياد طريقة ترويضيَّة جديدة تعبِّد الطريق للعدو، وتخفِّف عنه أعباء القتال والحروب، حيث تجبر الشعوب على الإذعان له إذعانًا ذليلًا تحت وابل من النار وحروب الإبادة، لتعترف به الحكومات اعترافًا تامًّا على أنَّ وجوده أصيل غير طارئ، غير آبهة لكلّ جرائمه التي يفتعلها صباح مساء بحقّ إخواننا في الإنسانيَّة والهويَّة العربيَّة.

وهكذا، فإنَّ الذي يجب علينا فعله أن نتعامى عن كلّ الجرائم اليوميَّة والمجازر الجماعيَّة، وكذا عن انتهاكات حقوق الإنسان بحقّ الطفولة والبشر من دون أن يرفّ لنا جفن...

الحياد يعني - إذن - أن نعترف بالعدو الصهيوني الذي احتلّ أرض فلسطين، وأعلن استعداده، وجهَّز قوَّاته لتوسيع نطاق جغرافيَّته بصدر رحب؛ فإنْ هو اعتدى على أرضنا وأعجبته قطعة من جنوبنا أو بقاعنا أو أي قطعه أخرى، فما علينا إلا أن نسكت عن ذلك، ونكتفي بأن نرفع شكوى صمَّاء إلى الأمم المتحدة التي لا يقيم العدوّ الصهيوني لها ولا لقراراتها أدنى وزن...

الحياد بداية كان يعني أن ننتظر العدوّ الصهيوني حتى يدخل إلى بلادنا ويحتلّ أراضينا، بحيث يقضم بلداننا قطعه تلو الأخرى، وما على البلدان الأخرى إلا أن يمارسوا السياسة نفسها؛ أي: سياسه الحياد؛ حيث يُسمح للبلدان الممتعضة من سلوك الصهاينة الإجرامي أن تستنكر، وتعبر بالبيانات أو برفع شكوى إلى مجلس الأمن فقط؛ لأنَّها لو فكَّرت مجرّد تفكير بالوقوف إلى جانب جيرانها المظلومين، فإنَّ دول الغرب كلّها لن تقبل بالمساس بأمن بني صهيون وسلامتهم بل لن يسمح الغرب للمُعتدى عليه أن يمتلك رصاصة يدافع بها عن نفسه من توحش الصهاينة المجرمين...!

فلماذا يتدخَّل بلد من البلدان العربيَّة أو شعب من الشعوب الحُرّة الأبيَّة الرافضة للظلم في شأن شعب آخر، وإنسان آخر يُهجَّر ويُقتل ويُمحى من الوجود... ولماذا تثور النخوة في الدماء من أجل الطفولة التي تباد - ولو وَأَدَت الصهيونيَّة الملايين –؛ إذ ليس من حقّ أحد أن يتدخَّل بما تقوم به إسرائيل، ولو كان مخالفًا لكلّ القوانين الدوليَّة والإنسانيَّة والحقوقيَّة... ولا سيّما أنَّ القوانين العالميَّة والحقوقيَّة تسري على الضعفاء؛ لكنَّها لا تسري على المصالح الصهيونيَّة العالميَّة بل تتعطَّل كلّ القوانين نفسها متى أرادت هذه الحركة الصهيونيَّة أن تمارس هواية القتل والإبادة...!

لماذا يتدخّل الأحرار وأهل الفكر والنخوة في شؤون دوله أخرى أحبّ العدو الصهيوني أن يقتطع منها ربعها أو ثلثها أو نصفها، ليوسّع كيانه ويحمي حدوده، أو أن يحتلها عن بكرة أبيها...؟!

ما هي علاقه الدول الأخرى المجاورة لها أو غير المجاورة في أن تثور وفي أن توحِّد قواها مع تلك مظلومي تلك البلدة المعتَدَى عليها باسم السيادة وتحت شعار الحياد...؟!

الحياد بالنسبة إلى العدو الصهيوني، وكلّ الأذرع الغربيَّة وغير الغربيَّة الداعمة له، وكذا بالنسبة إلى أتباعه العملاء الذين يخونون الأرض والأوطان والدم والإنسان... يُعَدُّ حفاظًا على سلامة الأرض والشعب والممتلكات والأموال والحدود...! كأنَّهم لا يرون الحدود وهي ينتهكها العدو الصهيوني بحُريَّة...! 

أمَّا دعم أحرار العالم للمظلومين ووقوفهم إلى جانب إخواننا الذين يعانون أمام أعيننا القتل، والهوان، والتدمير، والمجازر الجماعيَّة، والتطهير العرقي... فهذا الدعم الذي يحفظ حياة الإنسان ووجوده يُعَدُّ تدخّلًا سافرًا في شأن سيادة البلدان الوطنيَّة...

وهكذا، فإنَّ التدخُّل نصرة للمظلومين يُعَدُّ امتدادًا وتآمرًا وارتهانًا ذراعيًّا للناصرين الذين لم يرتضوا مثلَنا بالركون للذل والهوان والاستسلام لهذا العدوّ المجرم الغاصب الذي لا يشبع من الدماء والأشلاء، وهذا ما يُعَدُّه الغربُ خروجًا على الشرعيَّة الدوليَّة والمواثيق الوطنيَّة؛ لأنه يعرض الحدود والأمن والاستقرار والازدهار للخطر، كما يعرض سلامة الأرض والقرى والممتلكات والشعب للأخطار والاستباحة -أيضًا- لعدم الالتزام بسياسة الحياد...!

هذا هو الحياد المبدئي... ولا يخفى على عاقل أنَّ الحياد في مثل هذه الحالات لا يُسمَّى حيادًا، ولا يُسَمَّى وقوفًا بين متنازِعَينِ متخاصمين في قضيَّة من القضايا التي لا تعني الوطن وأهله...

 

4- الحياد بين التوسع والانسحاب السياسي

الحياد هنا هو أحد أمرين لا ثالث لهما:

أ-     ما هو إلا عمالة وارتهان للأعداء، وتماهٍ مع مخطّطات العدوّ الصهيوني التي قبِلتُ بها وارتضيتُها على حساب الإنسانيَّة والضمير... وحثَّني أو ألزمني بالالتزام بها كلّ أولئك الذين ارتموا في أحضانه، ومجَّدوا قوَّته وسطوته وجبروته، فاستسلموا لحكمه ولأمره بل تمنّوا لو يحكمهم ولو أباد إخوانهم في الوطن؛ إذ إنَّ المشاريع التي تدعم المظلومين يَعُدّها بعض السياديين خروجًا غير مبرّر على الوطن، وخدمة لدول إسلاميَّة أخرى، أما توغُّل العدوّ والتمنّي عليه لو أنهى وجود ابن الوطن الصامد وأباد خضراءه، فله مبرّرات حياديَّة سياديَّة...!

ب-   هو انتحار بكلّ ما في الكلمة من معنى؛ لأنَّ العدوّ الذي يعدّ العُدَّة ليقضي عليَّ وليقتلني وليرتكب بشعبي المجازر - وأنا أنتظره وأنتظر قدومه الجميل وسلاحه الفتّاك، ودبّاباته، وطائراته المدمّرة التي لا تترك أخضر، ولا يابسًا، ولا شيخًا، ولا رضيعًا، ولا رجلًا، أو امرأة... ما هو إلا ضرب من البلاهة والاستحمار الذي نبثّه بين الناس نستجلب به عوامهم وبسطاءهم، ليردّدوا مثل هذه الشعارات، ظنًّا منهم أنَّ العدوّ الذي لم يرحم إخوانهم اليوم، قد يرحمهم غدًا...!

ولعلَّ الأخطر من ذلك، هو أنَّ الحياد الجديد بات يعني أن أعيش أنا في بقعة آمنة من بقاع الوطن، وأخي في الوطن معي على بعد أميال معدودة منّي يُهجَّر، وتُدمّر قراه، ويُقتل ويُباد، وتلاحقه المسيّرات كل يوم، وتستهدفه آلة القتل لتقضي على وجوده وأطفاله ونسائه، لانتمائه إلى بيئة رفضت الخنوع والاستسلام لمؤامرات العدوّ الخارجي وحلفائه في الداخل... وما عليَّ إلا أن أسكت محافظًا على نفسي... وإلا فإنَّني سأكون عرضة للاستهداف والقتل والاصطياد...

الحياد في شريعة السياديين يعني أن أعاين الأحرار في وطني يقتلون لدفاعهم عن حدود بلادي وأرضي وعرضي... فأدَّعي أنَّهم هم الذين أجبروا العدوّ على مثل هذه الممارسات الإجراميَّة، مبرِّئا ساحته، ملقيًا عليه القليل من اللوم والعتاب الصوري، معتذرًا أمام العالم من سلوك أبناء وطني الأحرار الذين سطّروا بدمائهم بطولات تعجز الجيوش النظاميَّة عن القليل منها... ثمّ أطالب الغرب الداعم لآلة الجريمة، وأرجو كلَّ من زوَّد العدو الصهيوني بالسلاح الفتّاك المساعدة على نزع سلاح الأحرار الرابضين على الحدود لا يخافون لومة لائم - وليس سلاح العدوّ المجرم -! في الوقت الذي يمنع فيه هذا الغرب جيش البلاد من امتلاك أبسط السلاح الذي يدافع به عن نفسه...

فعن أي حياد يتحدّثون فيستغبون الشعوب؟!

 

5- غياب الحياد أمام الوحشيَّة المطلقة

عندما يواجه الإنسان وحشًا ضاريًا لا يشبع من الدماء ولا من الأشلاء، فليس هنالك من حياد... ليس هنالك من حياد وأنت ترى بأمّ عينك الوحش يلتهم ابنك أو أخاك أو جارك القريب أو البعيد... ليس هنالك من حياد... فأن تختبئ بظلّ إصبعك وتقول: "أنا اقف على الحياد"، - وأنت تعلم علمًا يقينيًا بأنَّ هذا العدوّ سوف يأتي إلى باب دارك بعد أن يفرغ من التهام جارك ليلتهم ولدك وأهل بيتك، وسوف ينقضُّ عليك كما انقضَّ على إخوانك - فأنت ساعتئذٍ تكون قد استعددت للانتحار والارتماء بين فكّي وحش كاسر يهوى الفتك بالأجساد وتمزيقها والتباهي بذلك على مرأى ومسمع العالم وقوانينه...

ليس هنالك من حياد مع مجرم قد تعوَّد على ارتكاب المجازر بحقّ الأطفال والنساء والشيوخ والبلدان... يساعده على ذلك سكوت أممي وعالمي مخيف مطبق، كما يساعده على ذلك صمت كبير من قبل المؤسسات والإدارات والمنظومات الدينيَّة في العالم على اختلاف مذاهبها وطوائفها ومشاربها، بل يساعده في كثير من الأحيان تلك الخطابات المنحرفة الصادرة عن أكبر المؤسسات الأمميَّة والدينيَّة التي تسوِّي بين هذا المجرم الكاسر وبين المقتولين طالبةً منهم - قبل أن تطلب من قاتلهم - تسليم كل آلة بسيطة من الممكن أن يدافعوا بها عن أنفسهم في مواجهة محتمَلة بينهم وبين أعتى قوة تمتلك آلة دمار شامل...!

فماذا يعني أن تستنكر المؤسسات الدينيَّة الحرب والمعاناة والفضائح بحق البشريَّة، ثمّ تطالب الضعفاء بتسليم سلاحهم البسيط الذي يمكن أن يحميهم من عدوهم، مدعية أنَّ امتلاك الضعفاء للسلاح يعيق السلام ويدفع نحو العدائيَّة...؟! أما امتلاكُ الوحشِ أحدثَ آلاتِ القتل، فلا يضير ولا يؤثّر على سَيْرِ عمليَّة السلام؛ لأنَّ الأعمال العدائيَّة - بحسب التحليل العقلاني والمنطقي لهذه الخطابات المنحرفة – ناجمة عن المقتولين والمدافعين عن أنفسهم وأرضهم ومقدساتهم...!

فما أغرب انحراف أغلب المؤسسات الأمميَّة والدينيَّة الداعية إلى وقف الأعمال العدائيَّة، بدل دعوتها العالم كلّه إلى قتال الوحش الضاري الذي يستبيح كل شيء...!

من هنا، يؤكّد الباحثون أنَّ مثل هذه السلطات الإنسانيَّة والدينيَّة ما هي إلا جزء لا يتجزّأ من منظومة القتل، أما وظيفتها الحقيقيَّة فهي تخدير الشعوب وتشويه الحقائق وحماية السياسات الإجراميَّة في العالم...

 

6- المنظَّمات الحقوقيَّة ومعايير الانتقائيَّة

وأما المنظَّمات الحقوقيَّة التي تثور لقتل كلب أو قطّة... فهي أيضًا لم تحرّك ساكنًا؛ إذ ترى أنَّ ما يفعله هذا الكلب المسعور هو بهدف الحفاظ على وجوده وكيانه المزعوم؛ أي: حفاظًا على الأرض التي اغتصبها وأخذها من أهلها بعد أن قتل شعبها وأباد أهلها وعاث في دمائهم فسادًا وسفكًا...

إنَّ مثل هذه المنظَّمات الحقوقيَّة التي لا تقيم لأُمّتنا وزنًا ولا لدمائنا قيمة - لأنَّها لا تعترف بنا بشرًا ولا تعدّنا من البشر ولا من بني الإنسان - لن تقف إلى جانبنا ولا معنا في ساعة من نهار؛ وإذا نحن ارتضينا بمثل هذه المنظَّمات الإنسانيَّة المنحرفة حكمًا عدلًا، ثمَّ وقفنا على الحياد امتثالًا لأمرها، فهذا يعني أنَّنا قد كتبنا فصول نهايتنا ونهاية أبنائنا وأجيالنا، بل كتبنا مذابحنا بأيدينا...

فعن أي حياد يحدثنا أولئك السفهاء...؟!

ولأي حياد يروِّج أولئك الساسة الذين باعوا البلاد أو يريدون...؟!

أو لا يعلم أولئك الساسة المثبّطون للعزائم والمصادرون لكلّ آلات الدفاع عن النفس أنَّهم يمهّدون الأرضيَّة للعدو الذي لا يحترمهم أصلا مهما فعلوا... ولا يعترف بهم ولو أعطوه كلّ ما يريد بل لو مدّوا له أيديهم بالليل وبالنهار، فإنَّه لن يقبل بهم ولن يكونوا في نظره أكثر من تلك الكلاب التي يستخدمها في إذلال الأسرى وتعذيبهم... لذا فهو لن يرضى بغير طموحاته التي كان قد خطط لها وسار على طريق تحقيقها...

نعم، إنَّ أكبر قوة مجرمة في العالم تقبل من الدول والشعوب اليوم أن يقفوا على الحياد حتى ينتهي الصهاينة، من قتل جيرانهم، واغتصاب حقوقهم، وتحقيق الأهداف التي أوَّلها وليس آخرها: دولة إسرائيل الكبرى. وبعد ذلك، سوف يكون هذا العدو على أتمّ الاستعداد لِأَنْ يكافئهم بنحرهم قرابين يتقرب بهم إلى إله الدم الذي يقدس... نعم، قد يحافظ على أرواح الزعماء والعملاء والخونة، وقد يؤمِّن لهم ولأُسَرِهِم خروجًا آمنًا إلى بلدان أخرى بعد أن امتصّوا خيرات البلاد وادخروها في بنوكه... وقد يسمح لهم بالذهاب إلى حيث يمتلكون الأموال والقصور والعقارات في دول غربيَّة أخرى... لكنَّه لن يرحم الشعوب التي سارت خلف أولئك الزعماء أبدًا... لن يرحم بني الإنسان أبدًا.

أليس هذا الانحراف هو الذي دفع بعض المثقّفين الإسرائيليين لِأَنْ يعترفوا في ساعة صحو ضميريَّة قائلين: "نجد أنفسنا، رغمًا عن إرادتنا وقِيَمِنا، وبِصِفَتِنا مواطنين في إسرائيل، شركاء في المسؤوليَّة عن الأحداث المروّعة في غزَّة، ولا سيّما قتل الأطفال والمدنيين، والتجويع، وتهجير السكان، والدمار العبثي للمدن"؟!

ثمَّ أليس هذا الانحراف هو الذي دفع زعيم حزب "الديمقراطيين" الإسرائيلي (يائير غولان - Yair Golan) لِأَنْ يستنكر ما وصفها بـ"الممارسات" التي ترتكبها تل أبيب في قطاع غزَّة، معتبرًا أنَّ "الدولة العاقلة لا تشنّ حربًا على المدنيين، ولا تقتل الأطفال هوايةً، ولا تنتهج سياسة التهجير" .

لكن هل هناك انحراف يفوق انحراف المجرم الصهيوني بل يتعدّاه ويزيد عليه انحرافًا وإجرامًا وخطرًا وعدوانًا من تلك الدعوات التي ما فتئت تنادي بالحياد في أرجاء عالمنا العربي والإسلامي - علنًا أو ضِمْنًا - بعد كلّ عمليات الإبادة الممنهجة التي لا يزال العدو الصهيوني ينتهجها في فلسطين ودول الجوار...؟!

 

7- الحياد وخيانة الشعوب

حياد اليوم بدعة صهيونيَّة روّجت لها الدعاية الإعلاميَّة العدوانيَّة بطريقة مشوَّهة لتتمكّن من غزو الأوطان الواحد تلو الآخر، وإبادة الشعوب كل شعب على حدة، بحيث تكون الشعوب متفرِّجة مشاهِدة الأفلام الإجراميَّة التي تحلّ بساحات جيرانها وإخوانها بروح رياضيَّة راضخة، تجعلها راضية بأن تعيش ساعات من السلام الوهمي والازدهار الآنيِّ الذي ينسيها أنَّها تعيش ساعات انتظار المصير نفسه الذي كانت بالأمس تشاهده بحياد من دون أن تتدخل بما تعانيه الشعوب المجاورة لها...

وإذا كانت مؤسَّسات الدراسات السياسيَّة والاستراتيجيَّة قد تلقَّفت هذه الشعارات عن معرفة بالخطط الصهيونيَّة أو عن جهل بها، فالأمر الذي لا ينكره عاقل هو أنَّ المنادين بسياسة الحياد اليوم ليسوا إلا ثلّة من المنافقين أو المتآمرين الخونة الذين باعوا أوطانهم لعدوّهم الغاصب مقابل منصب أسود مصبوغ بحمرة دماء أبناء الوطن الأحرار... 

التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث