المُقاوَمةُ وإدارةُ الصِراعِ- د. محمد محمود مرتضى

مشاركة هذا الموضوع :

لا يتأسَّس خطاب شهيد الأُمَّة السيد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه) في تناوله للصراع مع إسرائيل على وعد الحسم القريب، ولا على منطق التصعيد التلقائي الذي يربط بين الاستفزاز والردّ الآني، وإنَّما على تصوُّرٍ مختلف جذريًّا لطبيعة الصراع ذاته. الصراع هنا مسار طويل تُضبط فيه الإيقاعات، ويُفصل فيه بين القدرة والقرار، وبين الجهوزيَّة وخوض الحرب. يتشكَّل هذا الفهم من داخل نصوص قِيلت في لحظات ضغط، واستفزاز وتهديد، أكثر منه تنظيرًا مجرَّدًا، وكان يُنتظر من هذه النصوص تصعيد، فجاءت – لغويًّا ومضمونيًّا – نصوص إدارة لا نصوص اندفاع.

منذ زمن ليس بالقليل، تتكرَّر في خطاب (السيد نصر الله) لغة مغايرة للخطاب التعبوي التقليدي: لغة الشرط، والتأجيل، وربط القرار بالسياق لا بالفعل ذاته. ففي كلمته بعد اغتيال القائد (عماد مغنية)، قُدِّم الردّ بوصفه حقًّا محفوظًا يُمارَس في الزمان والمكان المناسبَين بعيدًا عن الالتزام بوقت محدَّد، وبالطريقة التي تخدم مصلحة الصراع لا الانفعال اللحظوي. (راجع: السيد حسن نصر الله، كلمة تأبين القائد الشهيد عماد مغنية، 16 شباط 2008، قناة المنار). تكمن أهمِّيَّة هذا النصّ في تعليق الفعل: لا يُلغى الردّ، لكنَّه يُفصل عن الاستفزاز، ويُدرَج في مسار أوسع من الحسابات.

يتكرَّر هذا التعليق المقصود للفعل في أكثر من محطَّة، ويكشف عن مبدأ مركزي في إدارة الصراع: ليس كلّ ما يمكن فعله يجب أن يُفعل فورًا. القدرة لا تُنكر، لكن القرار يُقيَّد بالنتيجة المتوخَّاة. في إحدى إطلالاته اللاحقة، يميِّز (السيد نصر الله) بوضوح بين الجهوزيَّة للحرب وبين الذهاب إليها، معتبرًا أنَّ الجهوزيَّة الكاملة لا تعني الرغبة في فتح مواجهة، وإنَّما تعني امتلاك القدرة على اختيار التوقيت الذي لا يخدم العدوّ. (راجع: السيد حسن نصر الله، إطلالة سياسية عن التهديدات الإسرائيلية، 16 تموز 2010، قناة المنار). هنا، يُدار الصراع بمنطق منع العدوّ من فرض إيقاعه، لا بمنطق ملاحقته في توقيته.

يتَّضح هذا المنطق أكثر حين نقرأ النصوص التي قيلت في سياق الاستفزازات المتكرِّرة على الحدود أو في الإقليم. في أكثر من خطاب، يرفض (السيد نصر الله) الربط الآلي بين أي عدوان محدود وبين حرب شاملة، محذِّرًا من الوقوع في فخّ الاستدراج. والاستدراج، في هذه النصوص، لا يُنظر إليه بوصفه احتمالًا نظريًّا، وإنما استراتيجيَّة معادية هدفها نقل الصراع من مسار مُدار إلى انفجار غير محسوب. لذلك، يُعاد التأكيد على أنَّ المقاومة إنَّما تُقاتل حين يخدم ذلك ميزان الردع ومصلحة الصراع الطويل. (راجع: السيد حسن نصر الله، خطاب حول التطورات الإقليمية والحدودية، 25 أيار 2013).

ما يكشفه هذا الخطاب، عند قراءته، هو أنَّ إدارة الصراع ليست امتناعًا عن الفعل، بقدر ما هي تنظيم للفعل داخل أفق سياسي واستراتيجي. الفعل موجود دائمًا بوصفه إمكانيَّة، لكن تفعيله مؤجَّل حتى تتوافر شروطه. وهذا ما يفسِّر كثرة العبارات التي تُبقي الاحتمالات مفتوحة دون إغلاق: "لكلّ حادث حديث"، و"الأمر رهن بتطوّره"، و"نحن نراقب ونقدّر". لا يمكن النظر إلى هذه العبارات على أنَّها عبارات مراوغة لغويَّة، بقدر ما هي أدوات ضبط إدراك، تُخرج الجمهور من منطق التوقع الحادّ، وتُبقي القرار في يد القيادة لا في يد الشارع أو ضغط اللحظة.

ويتصل بهذا البعد إدراكٌ واضح لتكلفة الحرب بوصفها كلفة اجتماعية وسياسية لا عسكرية فحسب. في خطاباته الموجَّهة نحو الداخل اللبناني، يتكرَّر التحذير من التعامل مع الحرب باعتبارها حدثًا معزولًا عن المجتمع. فالصراع الطويل، إذا لم يُدار بحسابات دقيقة، يمكن أن يتحول إلى عامل إنهاك داخلي. لذلك يربط (السيد نصر الله) بين إدارة الصراع وبين حماية الداخل من الاستنزاف غير الضروري، معتبرًا أنَّ الحفاظ على المجتمع جزء لا يتجزَّأ من المعركة، وليس شأنًا ثانويًا بعدها (راجع: السيد حسن نصر الله، خطاب عن الوضع الداخلي اللبناني والتحديات الإقليمية، 3 كانون الثاني 2014).

من هنا، لا يعود السؤال المركزي في هذا الخطاب: "متى نرد؟" بل "كيف نمنع العدوّ من تحقيق هدفه؟"؛ لأنّ الردَّ ليس غاية في ذاته، وإنَّما هو أداة ضمن سلّة أدوات. وقد يُستبدل الردّ العسكري أحيانًا بتثبيت معادلة، أو بإبقاء التهديد قائمًا دون تنفيذ فوري. تظهر هذه العقلانيَّة في إدارة الصراع بوضوح في خطابه بعد اعتداء القنيطرة عام 2015؛ حيث شدَّد على أنَّ الردَّ سيكون ضمن قواعد الاشتباك التي تخدم الردع، لا ضمن تصعيد مفتوح يخدم العدو. (راجع: حسن نصر الله، خطاب عن عملية القنيطرة وتداعياتها، 18 كانون الثاني 2015).

اللافت أنَّ هذا النمط من الخطاب يُقدَّم بوصفه تفوُّقًا في إدارة القرار. فالعدوُّ، كما يُقدَّم في هذه النصوص، يمتلك قدرة تدميريَّة كبيرة، لكنَّه يعاني من قلق دائم تجاه التوقيت والنتائج. وتهدف إدارة الصراع هنا إلى تعميق هذا القلق، عبر إبقاء القرار مفتوحًا وغير قابل للتنبؤ. فحين لا يعرف العدوّ متى وكيف سيكون الردّ، يصبح الردع أكثر فاعليَّة من الردّ الفوري.

ويتكامل هذا كلّه مع رفض واضح لتحويل الصراع إلى مسألة "كرامة لحظيَّة". ففي أكثر من موضع، يفصل (السيد نصر الله) بين الكرامة بوصفها مبدأ ثابتًا، وبين الانفعال بوصفه سلوكًا قد يضرّ بالكرامة نفسها. هذا الفصل دقيق، يكشف عن وعي بأنَّ العدوَّ يراهن على استفزاز العاطفة من أجل جرّ المقاومة إلى معركة غير محسوبة. ومن هنا، تُعاد صياغة الكرامة باعتبارها القدرة على ضبط النفس حين يخدم الضبط الهدف الأعلى. (راجع: حسن نصر الله، خطاب عاشورائي عن الصبر والقرار، 7 تشرين الثاني 2011).

إذا جمعنا هذه النصوص معًا، بوصفها سلسلة مترابطة، يتَّضح أنَّ إدارة الصراع في خطاب (السيد حسن نصر الله) تقوم على ثلاث ركائز نصِّيَّة واضحة:

أوُّلها، فصل القدرة عن القرار، بحيث لا يُستدرج الفعل من مجرَّد الاستفزاز.

ثانيها، ضبط الإيقاع الزمني للصراع، ومنع العدوّ من فرض لحظة المواجهة.

ثالثها، إدارة الداخل بوصفه جزءًا من المعركة، لا مجرَّد متلقٍّ لنتائجها.

وهكذا، لا تُفهم إدارة الصراع هنا باعتبارها بديلًا عن النصر، ولا حالة انتظار مفتوح، وإنما استراتيجيَّة واعية في صراع غير متكافئ؛ حيث إنَّ الحسم السريع وَهْمٌ، والتراكم المحسوب هو طريق الفعل. تُؤجِّل هذه النصوص التي بُني عليها هذا الفهم للمعركة، وتُحسن إدارة الطريق إليها. وهذا بالضبط ما يجعل هذا الخطاب مختلفًا: إنَّه خطاب يُدرّب جمهوره على العيش داخل الصراع دون أن يُستنزف به، وعلى خوضه بعقل بارد في بيئة مشتعلة.

حين يتحوّل الامتناع عن الردّ إلى قرار استراتيجي

يُشكّل استشهاد (السيد حسن نصر الله) لحظةً فاصلة في تاريخ المقاومة، بوصفه اختبارًا عمليًّا لأحد أهمّ المفاهيم التي أسّس لها خطابه نفسه: إدارة الصراع خارج منطق الانفعال. فالسؤال الذي فرض نفسه بقوَّة بعد الاستشهاد، ثمَّ بعد سلسلة الاغتيالات التي نفَّذتها إسرائيل عقب وقف إطلاق النار عام 2024م، لم يكن سؤال القدرة على الردّ بل سؤال طبيعة الردّ ومعناه وتوقيته.

في القراءة السطحيَّة، يبدو الامتناع عن الردّ العسكري المباشر كأنَّه ضعف، أو تراجع عن منطق "الردّ على الاعتداء". لكن هذا الفهم يتهاوى إذا أُعيد إدخال الوقائع ضمن الإطار الذي بناه خطاب (نصر الله) نفسه على مدى سنوات: الفصل الصارم بين الاستفزاز والقرار. فإسرائيل، في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، لم تكن تسعى إلى تغيير موازين ميدانيَّة بقدر ما كانت تحاول استدراج المقاومة إلى معركة توقيتها وشروطها إسرائيليّة، مع إدراكها أنَّ أيَّ ردّ كبير سيعيد فتح الحرب في لحظة لا تخدم إلا أهدافها.

هنا، يظهر بوضوح أنَّ عدم الردّ ليس فراغًا، وإنَّما امتلاءً بالقرار. فالاغتيالات، في هذا السياق، تؤدِّي وظيفة مزدوجة: من جهة، توجيه ضربة أمنية، ومن جهة أخرى، ممارسة ضغط نفسي وسياسي لدفع المقاومة إلى كسر حالة الضبط التي فرضتها هي نفسها بعد وقف النار. إنَّ الردّ الفوري في مثل هذا السياق لا يكون "استعادة للكرامة"، وإنَّما تنازلًا عن جوهر إدارة الصراع، أي التخلّي عن حقّ اختيار الزمان والمكان والأداة.

اللافت أنَّ هذا السلوك هو امتدادٌ حرفي لخطاب (السيد نصر الله) في غيابه. فالنصوص التي شدَّدت على أنَّ "الردّ حقّ محفوظ"، وأنّ "لكلّ حادث حديث"، وأنّ "القرار لا يُؤخذ تحت الضغط"، تتحوَّل هنا من عبارات خطابيَّة إلى منهج عمل مؤسِّسي. إنَّ المقاومة، بعد استشهاد قائدها، تُظهر – بالفعل لا بالقول – أنَّ الصراع يُدار بالعقل الاستراتيجي الذي صاغه القائد.

أما سياسة الاغتيالات الإسرائيليَّة بعد وقف إطلاق النار، فهي في هذا المنظور محاولة لتفريغ مفهوم الردع من محتواه عبر تحويله إلى اختبار فوري: إمّا أن تردّ الآن، أو تُتَّهم بالعجز. لكن هذا المنطق بالذات هو ما حذّر منه (نصر الله) مرارًا، حين اعتبر أنَّ أخطر ما في الصراع هو تحويل الردّ إلى ردّ فعل، أي نزع بعده السياسي والاستراتيجي. فحين يصبح الردّ مجرَّد استجابة غاضبة، يفقد قدرته على التأثير طويل الأمد، ويصبح جزءًا من لعبة الاستنزاف التي يريدها العدوّ.

في ضوء ذلك، يمكن قراءة الامتناع الحالي عن الردّ العسكري بوصفه إعادة تموضع للصراع لا انسحابًا منه. فالمقاومة، في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، تواجه واقعًا مركّبًا: بيئة إقليميَّة شديدة الحساسيَّة، ضغطًا دوليًّا كثيفًا، ومحاولة إسرائيليَّة لاستثمار "مرحلة ما بعد نصر الله" مرحلة كسر أو اختبار. وفي مثل هذا الواقع، يصبح الحفاظ على تماسك القرار، وضبط الإيقاع، ومنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة، جزءًا من المعركة نفسها.

الأهمّ من ذلك أنّ الردّ المؤجَّل – إذا جاز التعبير – يحتفظ بقِيمته التأثيرية أكثر من الردّ الفوري. فالغموض هنا يتحوَّل إلى عنصر قوَّة: لا يعرف العدوّ إن كان الامتناع دائمًا أم مؤقَّتًا، ولا متى وأين وكيف قد يأتي الردّ. وهذا الغموض، بعكس ما يُشاع، أكثر إزعاجًا للمنظومة الأمنيَّة الإسرائيليَّة من ردٍّ متوقَّع ومحدود. إنَّها المعادلة التي لطالما اشتغل عليها (نصر الله): لا يقوم الردع على الفعل فقط، وإنَّما على عدم قابليَّة القرار للتنبُّؤ.

من هنا، يمكن القول إنَّ ما يجري بعد عام 2024 ليس نقضًا لمنطق المقاومة، وإنَّما انتقال به إلى مرحلة أكثر تجريدًا وأقلّ انفعالًا. مرحلة تُختبر فيها الأفكار التي صيغت في الخطب عندما كان القائد حيًّا، وتُمارَس اليوم في غيابه. فالمقاومة التي لا تردّ الآن، لا تعلن نهاية الصراع، وإنَّما ترفض أن يُدار الصراع وفق القالب الذي يريده العدو. وهذا بالضبط هو جوهر "إدارة الصراع" كما بُنيت في الخطاب: أن تبقى في قلب المعركة، من دون أن تُقاتل حيث يريد خصمك.

إنَّ استشهاد (السيد نصر الله)، في هذا السياق، لم يُنهِ مشروعه الخطابي، بل كشف مدى تحوّله إلى بنية قرار. فالمقاومة التي تضبط نفسها اليوم، وتتحمَّل ضغط الاتهام والانتظار، إنَّما تمارس أحد أكثر دروسه قسوة، وأعني به أنَّ القدرة على الامتناع، حين يكون الامتناع قرارًا، لا تقلّ قيمة عن القدرة على الفعل. وفي صراعٍ طويل، كهذا، قد يكون الامتناع المدروس هو الفعل الأعمق أثرًا.




[1] باحث ومفكر لبناني- مدير مركز براثا للدراسات والبحوث.


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث