النصر والشهادة: تحليل فلسفي- استراتيجي لمعادلة الصراع خارج منطق الغلبة- د. محمد محمود مرتضى

مشاركة هذا الموضوع :


د. محمد محمود مرتضى[1]

اشتهرت عبارة "نحن لا نُهزَم، فإذا انتصرنا ننتصر، وإذا استشهدنا ننتصر" على لسان سماحة الشهيد الأقدس السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) بوصفها تكثيفًا شديدًا لمعمارٍ فكريٍّ كاملٍ يعيد تعريف الصراع، ويكسر الثنائيَّة التقليديَّة التي تحكم الحروب: نصر/هزيمة. هذه الجملة لا تتحدَّث عن "النصر" بوصفه نتيجة، ولا تعيد إنتاج خطاب الغلبة، بل تؤسِّس لشيء أعمق، أي إلغاء الهزيمة بوصفها إمكانيَّةً بنيويَّة داخل المشروع. ومن هنا، تتبدَّى ضرورتها التحليليَّة بوصفها مفتاحًا لفهم الفرق بين مشروع النصر الجماعي ومشروع الشهادة بوصفه نصرًا فرديًّا يخدم الجماعة، دون الوقوع في تكرار بحث النصر نفسه.

أوَّلًا: نفي الهزيمة منطلق لا نتيجة

الشقُّ الأوَّل من العبارة—"نحن لا نُهزم"—هي قرارٌ مفهومي يسبق الحدث ويعيد ضبط شروطه. فالهزيمة، في المنطق العسكريّ الكلاسيكي، تُعرّف بفقدان القدرة على القتال أو بفرض شروط العدوّ. أمّا هنا، فيجري نزع الهزيمة من حيِّز النتائج وإخراجها من معادلة الصراع أصلًا. هذا النفي لا يعني إنكار الخسائر أو الألم، وإنَّما يعني أنَّ الخسارة لا تتحوَّل إلى معنى نهائيّ يحكم المشروع. وبذلك يصبح السؤال الاستراتيجي ليس: ماذا خسرنا؟ بل: هل تعطّل المشروع؟ فإذا لم يتعطّل، فالهزيمة غير متحقِّقة مهما كانت الكلفة.

ثانيًا: مشروع النصر الجماعي بوصفه أفقًا تاريخيًّا

حين تقول العبارة "فإذا انتصرنا ننتصر"، فهي لا تكرّر بديهة، بل تُحيل إلى مشروع نصر جماعي يتجاوز الحدث الواحد. ليس النصر هنا لحظة ميدانيَّة، وإنَّما تراكمٌ تاريخيّ تُسهم فيه الأفعال، وتدعمه الاستمراريَّة، وتثبته القدرة على منع الخصم من فرض معنى الصراع. الجماعة—لا الفرد—هي حامل هذا النصر، والجماعة تُقاس قدرتها بسلامة المشروع الذي يجمعهم. لذلك، فإنَّ النصر الجماعي يظلّ مفتوحًا على الزمن، ويقبل التفاوت بين جولة وأخرى؛ لأنَّه ليس معلَّقًا على جسد فرد أو بطولة لحظيَّة.

ثالثًا: الشهادة نصر فردي يخدم الجماعة

الشقُّ الثاني—"وإذا استشهدنا ننتصر"—هو الأعمق فلسفيًّا؛ لأنَّه يفصل بوضوح بين نصر الجماعة ونصر الفرد دون أن يجعلهما متعارضين. ليست الشهادة هنا بديلاً عن النصر الجماعي، ولا تعويضًا عن غيابه، إنَّها نصرٌ فرديّ وظيفته خدمة الجماعة. حين يستشهد الفرد، لا "يخسر" المعركة، بل ينقل فعله من حيِّز الأثر المباشر إلى حيِّز التغذية والاستمراريَّة المعنويَّة للمشروع. وهكذا، لا تُقاس الشهادة بما تُنهيه، بل بما تُطلقه داخل الجماعة: زيادة الالتزام، وتثبيت المعنويات، وتعميق القناعة بأنَّ المشروع لا يتوقَّف على حياة أشخاص.

رابعًا: الفصل بين منطقين دون قطيعة

تفصل الجملة—بهدوء ودقَّة—بين منطقين:

1.  منطق النصر الجماعي: وهو منطق التاريخ، والتراكم، والمؤسَّسات، وإدارة الصراع طويل الأمد.

  1. منطق الشهادة بوصفه نصرًا فرديًّا: وهو منطق المعنويات، والقدوة، وتحويل الفقد إلى طاقةٍ خُلُقيَّة تخدم الجماعة.

يمنع هذا الفصل انزلاق المشروع إلى أحد تطرّفين: إمَّا تمجيد الموت على حساب الحياة (وهو انتحار استراتيجي)، أو تقديس البقاء على حساب المعنويَّات (وهو تآكل خُلُقي). تُمسك الجملة بالخيط الدقيق بينهما: الحياة للمشروع، والشهادة حين تخدم المشروع.

خامسًا: إبطال استراتيجية العدوّ في "القتل حلّ"

استراتيجيًّا، تُبطل هذه المعادلة أحد أخطر رهانات الخصم: تحويل الاغتيال والقتل إلى أداة حسم. فإذا كان قتل القادة أو المقاتلين يفضي إلى تفكيك المشروع، يصبح القتل حلًّا. أمّا إذا كان القتل يُنتج—عند حدّه—نصرًا فرديًّا يُغذّي الجماعة، فإنَّ القتل يفقد وظيفته الحاسمة. هنا لا يجري تمجيد الموت، بل تحييد فعاليَّته الاستراتيجيَّة لدى العدوّ. فالمعادلة تقول للخصم: إمّا أن تواجه مشروعًا جماعيًّا ينتصر بتراكمه، أو فردًا يستشهد فينتصر بمعناه—وفي الحالتين، لا هزيمة.

سادسًا: نقل الصراع من حساب الأجساد إلى حساب المعنويَّات

وهكذا، تُعيد العبارة ترتيب موازين الصراع من مستوى الأجساد إلى مستوى المعنويَّات دون إنكار الواقع المادي. قد يُستهدف الجسد ويُفقد، لكن المعنى—إذا أُحسن بناؤه—لا يُقتَل. ليس هذا التحويل هروبًا من الواقع، بل إدارة عُليا له: فحين يصبح المعنى هو الحاكم، تُفقد أدوات الخصم قدرتها على الإنهاء. وبذلك، تُدار الحرب على مستوى لا يملك الخصم تفوُّقًا حاسمًا فيه.

سابعًا: لماذا ليست هذه فلسفة موت؟

من الضروري هنا نفي قراءة شائعة: أنَّ العبارة تُنتج ثقافة موت. على العكس، هي تحمي الحياة الجماعيَّة عبر ضبط موقع الشهادة داخل المشروع. فالشهادة ليست هدفًا بذاتها، ولا معيارَ تفوّقٍ خُلُقيٍّ على البقاء، بل خيارًا مشروطًا بوظيفته. إنَّ المشروع—لا الفرد—هو الغاية، والحياة هي الأصل في خدمته. لذلك، تُبقي العبارة ميزانًا خُلُقيًّا يمنع تحويل الفقد إلى سياسة، ويمنع أيضًا تحويل الخوف إلى قرار.

ثامنًا: أثر العبارة على تماسك الجماعة

على مستوى الاجتماع السياسي، تمنح هذه المعادلة الجماعة مناعة ضدّ الانكسار. فالأفراد يعلمون أنَّ حياتهم ثمينة للمشروع، وأنَّ فقدهم—إن وقع—لن يُستخدم لإعلان نهاية الطريق. هذا اليقين يُنتج شجاعة هادئة لا انتحاريَّة، وصبرًا واعيًا لا سلبيًّا. الجماعة، هنا، لا تُدفع إلى المخاطرة طلبًا للموت، ولا تُدفع إلى التراجع خوفًا منه؛ بل تُدفع إلى الالتزام العقلاني بمشروع طويل النفس.

وبالمحصلة، تنجح عبارة "نحن لا نُهزم…" في تأسيس معادلة تُلغي الهزيمة من بنية المشروع دون أن تُنكر الألم أو الخسارة. إنَّها تميّز بصرامة بين نصرٍ جماعي يُدار بالتراكم وشهادةٍ فرديَّة تُدار بالمعنويَّات، وتربط الاثنين بغاية واحدة: تُبقي المشروعَ فاعلًا وغيرَ قابل للإلغاء. بهذا، لا تعود الحرب امتحانًا للأجساد فقط، وإنَّما اختبارًا للقدرة على إنتاج معنى لا يُكسر. وفي هذا المستوى تحديدًا، تفقد أدوات الخصم حسمها، ويستقرّ المشروع في منطقة لا يصلها إعلان الهزيمة.


[1] باحث ومفكر لبناني- مدير مركز براثا للدراسات والبحوث.


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث