ما يجري اليوم ليس إعادة تموضع تقني بل إعادة تعريف لوظيفة الممالك والمشيخات الخليجيَّة ضمن الاستراتيجيَّة الأميركيَّة، من محميَّات إلى هوامش قابلة للاستبدال.
على مدى عقود، بُنيت معادلة الأمن الخليجي على فرضيَّة واحدة، مفادها أنّ الوجود العسكري الأمريكي المباشر هو الضامن النهائي للاستقرار. هذه الفرضيَّة لم تكن سياسية أو عسكرية فقط بل تحوّلت إلى عقيدة شبه وجوديَّة تبنّتها السلالات الحاكمة للأنظمة الخليجية؛ حيث ارتبط أمنها الوطني بالوجود الأمريكي ارتباطًا عضويًّا. لكن العدوان الحالي على إيران، وما كشفه من هشاشة القواعد الأمريكيَّة أمام الصواريخ والمسيّرات الإيرانيَّة، أعاد طرح السؤال الأساس الذي ترتعد فرائص صانع القرار الخليجي لسماعه: ماذا لو لم تعد واشنطن مستعدّة لأداء الدور المخادع بوصفها محامية لأنظمتهم؟
الإجابة بدأت تتّضح، ولكن ليس عبر إعلان رسمي بل عبر تسريبات وتوصيات ومقاربات نشرها معهد (JINSA)، لسان حال جناح اللوبي الصهيوني الليكودي في واشنطن، متَّخِذًا ذريعة تبدو منطقيَّة حاليًّا، وهي الحاجة لتقليل الانكشاف الأمريكي المباشر في الخليج، واستبداله بنموذج أكثر مرونة، وأقلّ كلفة، وأكثر انسجامًا مع أولويَّات واشنطن الجديدة، وعلى رأسها الصين. في هذا السياق، يروّج المعهد للكيان الصهيوني باعتباره بديلًا مثاليًّا، فهو "الحليف الراغب"، كما وصفته استراتيجيَّة الدفاع الوطني الأمريكية الصادرة في كانون الثاني 2026، وهو أكثر استقرارًا نسبيًّا مقارنة بدول الخليج، ويمتلك بنية دفاعيَّة متقدّمة، ويقع خارج نطاق التهديد المباشر للصواريخ الإيرانيَّة قصيرة المدى.
لكن ما يبدو حلًّا عسكريًّا تقنيًّا، هو في الواقع انقلاب استراتيجي. نقل القواعد – أو حتى مجرّد التفكير فيه -يعني أنّ الخليج لم يعد مركز ثقل الحسابات الأمريكيَّة في غرب آسيا. بل أكثر من ذلك، يعني أنّ أمن الخليج لم يعد هدفًا بحدّ ذاته بل مجرّد وظيفة ضمن شبكة أوسع من المصالح، يمكن إعادة توزيعها جغرافيًّا بحسب الحاجة.




التعليقات