ولقد قصّ علينا القرآن الكريم بعض نماذج ثبات الأنبياء (ع)، ومن تلك النماذج:
1. ثبات النبي نوح (ع):
لبث النبي نوح (ع) في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، داعيًا إلى الله تعالى فيهم، وثابتًا وراسخًا في دعوته، على الرغم من الأذى والظلم والاضطهاد الذي تعرّض له هو ومَن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل! ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14].
2. ثبات النبي إبراهيم (ع):
دعا النبي إبراهيم (ع) قومه إلى عبادة الله وترك الشرك وعبادة الأصنام والأوثان والكواكب و...، فكذّبوه وآذوه، حتى إنّهم جمعوا الحطب، وأشعلوا نارًا عظيمة؛ وألقوه فيها ليحرقوه، ولكنّه ثبت، وتوكّل على الله، فحفظه من النار: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 68-69].
وفي تفسير فرات الكوفي: عن الإمام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: ﴿قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾، قال: "إنّ أوّل منجنيق عُمل في الدنيا منجنيق عُمل لإبراهيم بسور الكوفة في نهر يقال له كوني! وفي قرية يقال لها: قنطانا! فلمّا عمل إبليس المنجنيق وأجلس فيه إبراهيم (ع)، وأرادوا أن يرموا به في نارها، أتاه جبرئيل (ع)، فقال: السلام عليك يا إبراهيم ورحمة الله وبركاته ألك حاجة؟ قال: ما لي إليك حاجة، بعدها قال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾".
في هذه الرواية تعليم إلهيّ توحيديّ لطيف؛ وهو أنّ المدد الغيبي عبر الملائكة أو غيرهم، هو واسطة من وسائط نصرته تعالى للمؤمنين، فلا بدّ للمؤمنين في ساحة المعركة وعند اشتداد العسر التوجّه إليه تعالى لنصرتهم، وعدم التوجّه إلى الوسائط مع الغفلة عن الله تعالى، حتى لو كانت غَيبيّة! كما عدم التوجّه إليه تعالى بتحديد طبيعة المدد الغَيبي! بل التوجّه إلى عزّ الربوبيّة بطلب الثبات والصبر على العسر والنصر: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
3. ثبات النبي موسى (ع):
واجه النبي موسى (ع) في دعوته ثلاثيّ الكفر والجحود؛ وهم: (فرعون) ممثّلًا لتسلّط الحكم وبطشه، و(هامان) لخداع السياسة وتحكّمها برقاب الناس، و(قارون) لاحتكار المال والاقتصاد، فكذّبوه وكالو له صنوف التهم الباطلة والزائفة ليصدّوا الناس عن دعوته، ولمّا يأسوا من ذلك همّوا بقتله ومن آمن معه، فواجهوه بالتهديد، لكنّه ثبت على الحقّ، وواجههم مع أخيه هارون (ع) في عقر دارهم، وتحدّاهم بقدرته على الإتيان بالبيّنات، ومع ذلك لم يؤمنوا له وكذّبوا بدعوته. وبعد أن عزموا على قتله ومن آمن معه، أنجاه الله تعالى منهم، وأظهر الحقّ ونصر أهله، وأدحض الباطل وخذل أهله، وردّ كيدهم وعذّبهم في الدنيا والآخرة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ (...) * (...) * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 23-28، 45].
4. ثبات الرسول الأكرم (ص):
بعد أنْ ظهرت الدعوة الإسلاميّة إلى العلن بدأ كفّار قريش ومشركوها بالتضييق على النبي محمّد (ص) ومن آمن معه، خاصَّة كبارهم الذين سخروا من النبي (ص) واستهزؤا به، وكفروا بدعوته، وحاربوه، لكنّه ثبت على دعوته، وصبر على أذاهم محتسبًا في جنب الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 97-99]، وواجههم بحكمة وبصيرة نافذتين؛ سالكاً منهج الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالأحسن: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]، ولم يكنْ ليهادن أحداً أو يساومه في دعوته إلى الحقّ: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 8-9]، وخاض ضدّهم مواجهات عسكريّة وأمنيّة عدّة ثبت فيها وانتصر على عدوّه، على الرغم من عدم التكافؤ في العديد والعتاد مع العدو، أوّلها واقعة بدر في العام الثاني للهجرة [آل عمران: 121-126]، ثمّ واقعة أُحُد في العام الثالث للهجرة [آل عمران: 139-144]، ثمّ واقعة الأحزاب في العام الخامس للهجرة [الأحزاب: 9-25]، ثمّ فتح مكّة في العام الثامن للهجرة [الفتح: 1-3]، إلى غزوة ذات السلاسل على أهل وادي اليابس على الحدود الشماليّة للجزيرة العربيّة في العام الثامن للهجرة: [العاديات: 1-5]، وغزوة حنين في العام الثامن للهجرة [التوبة: 25-26].
وكذلك في مواجهات النبي (ص) مع اليهود ناكثي العهود والمتآمرين على الإسلام مع كفّار قريش والمنافقين في المدينة، فخاض (ص) ضدّهم مواجهات عسكريّة وأمنيّة عدّة، أوّلها مع بني قينقاع في العام الثاني للهجرة [الحشر: 15]، ثمّ مع بني النضير في العام الثالث للهجرة [الحشر: 2-3]، ثمّ مع بني قريظة في العام الخامس للهجرة [الأحزاب: 26-27]، ثمّ يهود خيبر في العام السابع للهجرة [الفتح: 15].
وكذلك مواجهته (ص) لإمبراطوريّة الروم على التخوم الشماليّة للدولة الإسلاميّة؛ فخاض معهم مواجهات عسكريّة وأمنيّة؛ منها: غزوة تبوك في العام التاسع للهجرة [التوبة: 41-42].
وفي هذه المواجهات ثبت النبي (ص) والمسلمون أمام أعدائهم، وانتصروا عليهم، واستتبّ الأمر لهم، ورجعوا إلى ديارهم مكّة المكرّمة، وطهّروا الجزيرة العربيّة من الكفر والشرك.




التعليقات