فما هو مفهوم الثبات في الرؤية القرآنيّة؟
وما هي المفاهيم المرتبطة به؟
1. مفهوم الثبات:
أ. الثبات في اللغة:
أصل مادّة "ثبت" تدلّ على دوام واستقرار في الشيء. والثبات ضدّ الزوال. ومنه الثبات بالإقامة في المكان، فيقال: ثبت فلان في المكان: إذا أقام به.
ب. الثبات في الاستعمال القرآنيّ:
وردت مادّة "ثبت" في القرآن الكريم ٨٧ مرّة. وقد استُعمل الثبات في القرآن الكريم في المعاني الآتية:
- الثبات الحسّيّ والمعنويّ؛ فأمّا الثبات المعنويّ: ففي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: 12]؛ أي تثبيت القلوب. وأمّا الثبات الحسّيّ، ففي قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]؛ أي: شدّ رمل الأرض بالماء النازل من السماء؛ لتثبيت أقدام المجاهدين عند مواجهتهم للعدو من فوقهم.
- في مقابل المحو والخروج والقتل والزلَّة: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ [النحل: 94]، ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30]، ﴿يَمْحُوا ا للهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: 39]؛ أي كما أنّ التكوين والإيجاد في المرتبة الأولى بيده كذلك الإبقاء والتثبيت، أو المحو والإفناء في المرتبة الثانية، سواء كان في وجود أو حكم أو عمل.
- في معنى الاستقرار في المكان والمحلّ؛ كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 15]، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ﴾ [إبراهيم: 24].
- في معنى استقرار الباطن والقلب على ما عقده؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: 74]، ﴿لِنُثَبِّتَ بِه ِ فُؤادَكَ﴾.
- في القول الذي هو مظهر العقيدة والكاشف عمّا في القلب: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [الفرقان: 32].
ج. الثبات في الاصطلاح:
هو لزوم المكان من دون تحرّك ولا تزلزل في المعركة. وفي الدين بمعنى الاستقامة وعدم الانحراف والتحوّل عن الحقّ.
2. المفاهيم المرتبطة بالثبات:
أ. مفهوم الصبر:
- الصبر في اللغة:
الصبر الحبس. والصبر يكون في المصيبة، وأمّا في المحاربة فهو شجاعة، وفي إمساك النفس عن الفضول قناعة وعفّة. والصّبر نقيض الجزع.
- الصبر في الاصطلاح:
الصبر هو حفظ النفس عن الاضطراب والجزع؛ بالسكون والطمأنينة. وحقيقة الصبر هي التحمّل والتفسّح، ومن كانت سعة وجوده ومقدار تحمّله أزيد، كان استعداده وقوّة روحه أكمل.
- العلاقة بين الثبات والصبر:
الثبات هو التمسّك والالتزام بأمر عن طواعيّة ورضًى.
أمّا الصبر فهو إلزام النفس الهجوم على المكاره، وتمسّك ورضًى بأمر الله، وتلقّي بلائه بالرحب والسعة، فقد يأتي الأمر رغمًا عن الشخص، فيصبر ويثبت على أمر الله تعالى.
فالعلاقة بين الثبات والصبر هي علاقة تلازم، فلا ثبات دون صبر، فهو من مقوّمات الثبات.
ب. مفهوم الرسوخ:
- الرسوخ في اللغة:
الرسوخ يدّل على معنى الثبات والتمكّن في الشيء.
- الرسوخ في الاصطلاح:
الرسوخ هو الثبوت والاستقرار التامّ؛ بحيث ينفذ في المحلّ؛ من كمال الاستقرار، والتمكَّن، وتمامه. وهذا المعنى هو الفارق بينها وبين موادّ "الثبوت، والرسوب، والحقّ، والرسي، والثبط، والثبى"؛ فإنّ الثبوت مطلق الاستقرار. والرسوب ذهاب شيء وصيرورته إلى أسفل. والرسا هو استقرار شيء عظيم تامًّا. والثبى يستعمل في الاستقرار من جهة الكميّة. كما أنّ الثبط يستعمل في الثبوت من جهة المعنى والفكر.
والراسخون في قوله تعالى: ﴿لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: 162]؛ أي الَّذين تمكَّنوا في العلم واستقرّوا في مرحلة اليقين وثبتوا ثبوتًا تامّا؛ بحيث نفذوا في مقرّ العلم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه ُ إِلَّا ا للهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه﴾؛ أي ما يعلم تأويل ما تشابه من الكتاب إلَّا اللَّه، ومن هو متمكَّن ومستقرّ في منزل العلم واليقين، وهو يدرك الحقائق والمعارف الإلهيّة بنور الإيمان وشهود القلب، فلا يشتبه عليه ما بَعُد عن أفهام الناس وعن أبصارهم. ونتيجة الرسوخ هو الإيمان والاطمئنان، والإيمان الحقيقي هو الشهود، فإذا شهدوا وأبصروا الحقائق فيما تشابه على الناس، يقولون هذا هو الحقّ آمنّا به ونحن به من الشاهدين.
- العلاقة بين الرسوخ والثبات:
الرسوخ هو كمال الثبات، فيقال للشيء المستقرّ على الأرض: ثابت، وإنْ لم يتعلّق بها تعلّقًا شديدًا، ولا يقال: راسخ. ولا يقال: حائط راسخ؛ لأنّ الجبل أكمل ثباتًا من الحائط، قال الله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]؛ أي: الثابتون فيه، ويقولون: هو أرسخهم في المكرمات؛ أي: أكملهم ثباتًا فيها.
فالعلاقة بين الثبات والرسوخ في أنّ الثبات تواجد في المكان، وإقامة فيه مع حرّيّة الحركة، وأمّا الرسوخ فهو ثبات واستقرار دون تحرّك.
ج. مفهوم الاستقامة:
- الاستقامة في اللغة:
الاستقامة أصلان صحيحان يدلّ أحدهما: على جماعة ناس، وربّما استعير في غيرهم، والآخر: على انتصاب أو عزم. والإِقَامَةُ في المكان: الثبات. وإِقَامَةُ الشيء: توفية حقّه.
- الاستقامة في الاصطلاح:
الاستقامة هي طلب قيام في الأمر إراديًّا أو طبيعيًّا أو عملًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا ا للهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: 30]، ﴿فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7]، فيراد بها طلب القيام، وإرادة أن يدوم الأمر وفعليّته، ونصب النفس في ذلك الأمر؛ أي في العمل به، وفي قول التوحيد، وفي العهد مع الله.
- العلاقة بين الاستقامة والثبات:
العلاقة بين الاستقامة والثبات شديدة الصلة؛ فالثبات شرط أساس لتحقّق المرء بالاستقامة؛ فمن دون الثبات لا يمكن للإنسان أن يستمرّ على الطريق المستقيم، وكلّما زاد ثبات الإنسان زادت استقامته وملازمته للطريق المستقيم. والاستقامة دليل ومؤشّر على ثبات الإنسان على الحقّ.




التعليقات